سجناء الـ 1500 عام

توقفتْ أنفاسه حين رأى الشق الأول يظهر في الجدار الحجري الذي لم يتزحزح منذ خمسة عشر قرناً. لم يكن مجرد تصدع، بل كان صرخة من عالمٍ خارجي نسوه تماماً. همسَ 'سيف' بصوتٍ مرتجف: 'إنه يحدث.. الحصن ينهار'.فجأة، اندفعَ ضوءٌ أبيض كاسح من خلف الشق، ضوءٌ لم تره أعينهم منذ مئات السنين. وفي تلك اللحظة الحرجة، سمعوا صوتاً آلياً بارداً يتردد في أرجاء القاعة: 'تم انتهاء مدة الحبس.. استعدوا لمواجهة ما صنعتموه'.تراجع 'عمر' إلى الخلف والذعر يملأ وجهه، صرخ: 'لا تفتح الباب! نحن لم نعد بشراً.. نحن مجرد بقايا زمنٍ مضى، والعالم في الخارج لن يرحم غرباء مثلنا!'. ومع دويّ الانفجار الأخير، لم يعد أمامهم سوى خيار واحد: إما العودة للعدم، أو مواجهة حقيقة أنهم لم يكونوا أبداً سجناء.. بل كانوا الحراس لشيءٍ أخطر بكثير


استيقظَ "إياد" على صوت دقاتٍ منتظمة، لم تكن دقات قلبه، بل كانت دقات الساعة الرملية الكبيرة التي تتوسط القاعة العتيقة. فتح عينيه ببطء، ليجد السقف الحجري المألوف يلوح فوقه. سقفٌ حفظ كل شروخه ونتوءاته على مدار قرون، أو ربما آلاف السنين، لم يعد يذكر حقاً.نهضَ بتثاقل، واتجه نحو النافذة الوحيدة التي تطل على الفراغ الرمادي اللامتناهي. وقفَ هناك، يراقب حبات الرمل وهي تسقط، كل حبة تمثل عاماً، أو ربما مجرد لحظة في هذا السجن الأزلي. شعرَ ببرودة المعدن تحت أصابعه وهو يمسك بحافة النافذة، برودةٌ تذكره بأنه لا يزال حياً، رغم أنه يشعر بأنه قد مات منذ زمنٍ طويل.التفتَ إلى رفيقه "عمر" الذي كان يجلس في زاوية القاعة، يخطط على الأرض بأحجار صغيرة. قال إياد بصوتٍ أجوف: "هل تعتقد أنهم نسونا؟ أم أننا مجرد تجربة طويلة الأمد؟".لم يرفع عمر رأسه، بل واصل تخطيطاته وقال بهدوء مخيف: "النسيان رحمة لا نستحقها يا إياد. نحن لسنا مجرد تجربة، نحن الشواهد على فناء الزمن نفسه. لقد رأينا حضارات تنهض وتسقط، ورأينا النجوم تنطفئ وتولد، ومع ذلك.. نحن لا نزال هنا، محاصرين في هذه اللحظة الأبدية. الخروج ليس هو الحل، بل هو المشكلة.. ماذا سنفعل في عالمٍ لم نعد ننتمي إليه؟".أغلقَ إياد عينيه، وتخيل عالماً مليئاً بالألوان والحياة، عالماً حيث الزمن يتدفق ويترك خلفه ذكريات. لكن الصورة كانت باهتة، بعيدة، وكأنها مجرد حلم رأسه في ليلة شتوية طويلة، ليلة دامت ألفاً وخمسمائة عام.