
لم أكن أعلم أن الغربة الحقيقية ليست في البعد عن الديار، بل في الوقوف وسط الزحام دون قلبٍ يأويني. وفي اللحظة التي التقت فيها أعيننا، أدركتُ أن كل الدروب التي سلكتها كانت تقودني إليك. لم تكن مجرد شخصٍ عابر، كنت الأمان الذي افتقدته، والملجأ الذي بحثت عنه طويلاً.. بالأمس كنت غريباً، واليوم.. أصبح قلبك هو وطني الوحيد.

توقفتْ أمام النافذة تراقب حبات المطر وهي ترتطم بالزجاج، تماماً كما كانت ذكرياتها ترتطم بقلبها في تلك اللحظة. شعرت ببرودة الغرفة تتسلل إلى أعماقها، لكن غصة الحنين كانت أشد برودة. والتفتتْ إليه حين شعرت بخطواته الهادئة تقترب، كان يقف هناك، بنفس النظرة التي تحمل مزيجاً من العتاب والاحتواء.قال بصوتٍ منخفض يحمل بحة غريبة: "لماذا تصرين دائماً على أن تصنعي من نفسكِ جزيرة منعزلة؟ ألم تدركي بعد أن السفن التي تحاول الوصول إليكِ قد أتعبها الموج؟"لم تجبه في البداية، بل اكتفت بالنظر إلى عينيه اللتين طالما رأت فيهما انعكاساً لكل مخاوفها وأحلامها. ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت: "أخاف أن أعتبرك وطناً، ثم أجد نفسي يوماً بلا هوية، مشردة على حدود قلبك."ابتسم بمرارة، وخطا الخطوة الأخيرة التي تفصل بينهما، حتى أصبح عطره يملأ رئتيها. همس وهو يمسك يدها المرتجفة: "الوطن لا يطرد أبناءه يا ليلي، وأنا.. أنا لم أبنِ هذا القلب إلا ليكون لكِ وحدكِ. الغربة كانت قبل أن نلتقي، أما الآن.. فقد انتهت رحلة الشتات."في تلك اللحظة، ومع تلاحم كفيهما، شعرت أن كل تلك الصراعات والمسافات تلاشت. لم يعد المطر مخيفاً، ولم تعد الغرفة باردة.. فقد وجدت أخيراً المكان الذي تنتمي إليه.